ابن الجوزي

315

صيد الخاطر

فقل له : حكمته فوق مرتبتك ، فسله لما لا تعلم ، فان أول من اعترض بعقله إبليس ، فرأى فضل النار على الطين فاعترض ؟ وقد رأينا خلقا كثيرا وسمعنا عنهم أنهم يقدحون في الحكمة لأنهم يحكمون العقول على مقتضاها ، وينسون أن حكمة الخالق وراء العقول ، فإياك أن تفسح لعقلك في تعليل أو أن تطلب له جواب اعتراض ، وقل له : سلم تسلم ، فإنك لا تدري غور البحر الا وقد أدركك الغرق قبل ذلك . هذا أصل عظيم ، متى فات الآدمي أخرجه الاعتراض إلى الكفر . 271 - الكهولة خير واعظ العجب ممن يقول : اخرج إلى المقابر فاعتبر بأهل البلى . ولو فطن « 1 » أنه مقبرة ، يغنيه الاعتبار بما فيها عن غيرها ، خصوصا من قد أوغل في السن ، فان شهوته ضعفت ، وقواه قلت ، والحواس كلت والنشاط فتر ، والشعر ابيض ، فليعتبر بما فقد ، وليستغن عن ذكر من فقد ، فقد استغنى بما عنده عن التطلع إلى غيره . 272 - ذكر الآخرة متى تكامل العقل فقدت لذة الدنيا فتضاءل الجسم ، وقوي السقم ، واشتد الحزن ، لأن العقل كلما تلمح العواقب أعرض عن الدنيا ، والتفت إلى ما تلمّح ولا لذة عنده بشيء من العاجل . وانما يلتذ أهل الغفلة عن الآخرة ، ولا غفلة لكامل العقل . ولهذا لا يقدر على مخالطة الخلق ، لأنهم كأنهم من غير جنسه ، كما قال الشاعر : ما في الديار أخو وجد نطارحه * حديث نجد ولا خلّ نجاريه « 2 » 273 - البعث ادعى الطبائعيون أن مادة الموجودات الماء والتراب والنار والهواء فإذا كان في القيامة أذهب الأصول ، ثم أعاد الحيوان ليعلم أنها كانت بالقدرة لا عن تأثير

--> ( 1 ) المؤلف نفسه وصى « قبل سبعة فصول » بالخروج إلى المقابر ! ( 2 ) في الفصل « 292 » ولا صب . وهي الرواية الصحيحة .